يوجد 121 زائر حالياً
أهلا بكم

سياسيه

يوتيوب فيديو

khantry design

أستطلاع رأي >

هل تؤيد تمديد مدة رئاسة البارزاني دون موافقة البرلمان؟؟




النتائج
الأربعاء, 27 كانون2/يناير 2016 00:37

من صحيح البخاري و نهج البلاغة ...حتى البيان الشيوعي ! عارف معروف‎

تقييم المادة
(1 تقييم)
تعرفت ُ ، في منتصف التسعينات ، الى امامٍ وخطيبِ جامعٍ، من احدى المحافظات ، وربطتنا عُرى صداقةٍ ، آنيةٍ ، قامتْ على أساس ما لمسهُ ، كلٌ منا ، في الآخر من وعيّ بطبيعة معاناة العراقيين تحت حكم الطاغية ، آنذاك ، وما التمسه ، كلٌ منا ، في الاخر، كذلك  ، من جدّ وحميّة في البحث عن جذور ، حقيقية ، بعيدة الغور، للمشكل او امكانية حلّه.
سألني صديقي ، الجديد ، وكان متخرجا من كلية للعلوم الشرعية ، فيما اذا كنت قد قرأت " صحيح البخاري "، فأجبت بالنفي واضفتُ انني  كنت اودّ الاطلاع عليه ،غير انه لم يتوفر لي ، فأجاب بأنه من مقتنياته ، وبطبعةٍ موثوقة معتبره. واتفقنا، على ان يُحضر لي جزءا او مجلدا من " الصحيح " كلما جاء الى بغداد، ومجيئه كان شهريا ، ولأغراض تجارية ، كانت هي السبب في تعارفنا ، بحيث  انه يأتيني بمجلد كلما فرغت من سابقه  . وحينما انهيت قراءتي للمجلد الثاني ، سألني ، صديقي ، وانا اعطيه المجلد واطلب اليه ان يأتيني بمجلده الثالث ، عند زيارته القادمة ، سألني ، مثلما فعل في المرة السابقة ، عّما اذا كان لديّ ملاحظة ، او اشكال  او لبس ، يستطيع ، هو، ان يوضح لي امره  ، بفعل دراسته للحديث والسيرة النبوية ، فأجبت أنْ نعم ، وانني، في الواقع ، دُهشتُ لبعض النصوص، وان الشكوك ، قد اعترتني ، بشأنها وشأن نسبتها الى النبيّ، لأن مضمونها ينتقص من قدره . وما ترويه  من وقائع ، يمّس هيّبته . وعندما أوضحت له بعض محتواها ، هتف : مستحيل ! فأعطيته وريقة كنت قد اعددتها ، قلتُ انها تتضمن اشارات الى الاحاديث المعنية وارقامها وارقام الصفحات التي وردتْ فيها ،وطلبت اليه ان يراجعها ، ويوضح لي ما يمكنه بشأنها عند مجيئه في المرة القادمة...
لكن صديقي لم يهل ّعليّ عند موعد مجيئه المحتمل الى بغداد ، غبَ شهرٍ . ولا بعد ذلك ، بشهر تلاه . فالتمستُ له العذرَ ، وحجّة الغائب معه ، كما يقول المثل ، خصوصا وان الهواتف النقالة  كانت حلما مستحيلا ، على العراقيين ، يومذاك ، ولم يكن لديه ، هو، هاتف ارضيّ لأتصل به واستوضح حاله وسبب غيابه . حتى كان يوما، لمحتُ فيه ذلك الشيخ ، وهو يمرّ على الرصيف المقابل من الشارع ، الذي يطلُ عليه مكتبي، واجلسُ قبالته عبر زجاج المكتب ، مُرخياً على وجهه طرفَ غطاءِ رأسه ولائذا ببعضِ المارّة ، جاهدا ان  يتحاشاني ويتجنب لقائي . ومنذ ذلك اليوم ، وحتى الان ، لم أرَ الرجل !
تذكرتُ ، يومها ، ما كان من امر ، صديق ، آخر ، تعرفت عليه  ، قبل ذلك ، ببضع سنين . في ظرف مشابه. وضمن سياق العمل التجاري ، نفسه . وقد صدّع رأسي ، حينها ، بما كان يشغله من امر الخلاف الاسلامي  المبكر ووقائعه ، حقّه وباطله ، شؤونه وشجونه . وحينما ابديتُ، له ، رغبتي في الاطلاع على ما يدعّم رأيه وما يذهب اليه  من قناعات ، هتفَ: الاحتجاج ، للطبرسي ، سآتيك به !
سألني  ، بعد فراغي من قراءة الكتاب  ، بجزئيه ، متلهفا ، عن رأيي ، فقلت : امّا جزأه الاول  فما يستند اليه من وقائع ، ممكنٌ ،غير انها تتطلب بحثا وتقصّيا في مصادر اخرى ، مخالفة او محايدة ، ليحصحص لديّ او لدى  غيري ، الحقُ ...
سأل ، بذات اللهفة : والثاني ؟
قلت : محض هراء  ، لا يقبله عقلٌ ولا يسنده منطق .  فلم يقع  لديه، قولي ، ذاك ، موقعا حسنا ، غير انه لم يعّبر عن  غيض او تشنج ، والحق يقال ، وعالج الامر بابتسامة حائرة ، وهو يقول : لن يحصحص ،عندكم ، حقٌ  ، ابدا !
لم يقاطعني الرجل ، وتقبل الامر بروح رياضية ، كما اسلفت ، ربما ،لأن انتقادي تعلق بالاحتجاج والطبرسي، ولو انه تعلق  " بنهج البلاغة " ، مثلا ، وهو كتاب خطب ُتنسبُ الى الامام عليّ، ويُنزلُ، عند الشيعة ، بمنزلة  " صحيح البخاري " ، مثلا ، عند السنة ، فاغلب الظن انه كان يسلك سلوك صاحبنا الاول ، ولربما امتنع عن المرور في الشارع الذي يطل عليه مكتبي ، نهائيا !
لقد عادت هذه الوقائع الطريفة الى ذاكرتي ، بالأمس، وانا اشاهد الفيديو الخاص  برجل دين معمم يدعى بآية الله ( صباح شّبر)، على الفيس بوك ، وما تحدّثً به من حديث ، يطابق في مضامينه وجوهره دعوة " داعش  " وما يستند اليه نهجها من مسوغات وافكار ، وأقرأُ بعضَ الردود التي تلقاها احدهم  ،على صفحته  ، وهو ينتقد مضامين كلام شبرّ . في ان انتقاده يمكن ان يوهنّ امر المذهب  ويعزز جانب اعداءه وناقديه ، بل وتساءل اكثر من واحد ، من اصدقاءه ، عمّا اذا كان مؤهلا  لمثل هذا الانتقاد ، وفيما اذا كان يقّدر خطورة ما يتطاول به على رجل يعتبر حجّة ، وكيف تبلغ به الجرأة ان يفعل  ولمصلحة من ْ يفعل ؟! رغم ان  الافكار والدعاوى التي اطلقها الرجل، موضوع الانتقاد، والممارسات التي حثّ عليها بشأن المخالفين، دينيا ، كانت هي نفسها ، عينا بعين ، تلك التي تتبناها " داعش  " و" القاعدة "،قبلها، وتستند الى مضمونها الوهابية  في لعن وتكفير الاخرين والدعوة الى استئصالهم وهو ما ينكره ، ويدينه ،هذا المعمم وانصاره الذين تصدوا لمن انتقده ، ويصفونه بانه بعيد عن روح الاسلام ومعادي لجوهره !
أن العقيدة تعني الاتبّاع والتسليم ، والتقولب في شخصية نمطية ، تحدد  لك مسبقا ، ليس الخطأ والصواب . ما يجوز وما لا يجوز . اصدقائك واعدائك ، بل ، وتقرر سلفا ، كذلك ، ردود افعالك وحدود اسئلتك ، وأطر تفكيرك . ان هذه هي السّوية التي تصوغها الجماعة الدينية او المذهبية بل وحتى الحزبية، واي تساؤل او شك او تردد او نقد هو من فعل ابليس . ان الاتبّاع  طريق الرحمن  .اما الابتداع فهو سبيل الشيطان . ولذلك ، فان حراس العقيدة ، اية عقيدة ، وفي كل زمان ومكان ، يعادون العقل ، مصدر الاسئلة ومنبع الشكوك ، ويجدون فيه عدوا لَعيّنْ . ان السوّية ، عندهم ، هي ان تقول ما يقولون ،  وتفكر كما يفكرون ، وتسلك كما يسلكون ، وهذه  ، ذاتها ،هي الروح او طريقة التفكير البدائية ونمط فهم علاقة الانسان بالكون وبالآخر كما عرفتها الجماعات البدائية  التي  كانت ترى نفسها ، كخلقة وعادات وسلوك ، هي الانسان السويّ، هي ملة الله المختارة ، امّا ما عداها فينتسب الى الشيطان . وقد وجدتْ  هذه الفكرة تجسيدها  الديني لدى اليهود حينما آمنوا بانهم شعب الله ، المختار ، اما بقية البشر من الملل والنحل الاخرى  ، فهم الغوييم، الأغيار ، الاخرون. وتجد هذه الفكرة ، انعكاسات اخرى ، مماثلة ، لدى مختلف الديانات والجماعات ، وهي ، بالطبع ، اساس الاعتقاد بفكرة الفرقة الناجية ، الاسلامية  ، ايضا .
تعني العقائد ، كذلك ، الثبات والديمومة، والاحكام النهائية والمطلقة ، التي تكتسب ، بهذه الصفة  ، قدسية وتُحصّن بتحريم " تابو " وتصبح العقيدة  ، اية عقيدة ، بذلك، هي الصحيح المطلق وهي الخير التام الذي قد لا يعرفه البشر ويقدرونه حق قدره او مصلحتهم فيه ، ولذلك تجب هدايتهم اليه وحملهم ، بالإكراه ، ان لزم الامر ، على جادته !
ان هذا الامر لم يقتصر على العقائد الدينية بل تعداه الى العقائد الدنيوية السياسية والاجتماعية  ، كذلك ، وعاشت الانسانية ، في مختلف ارجاء المعمورة امثلة مروّعة عليه . وقد استندت معظم الانظمة الطغيانية ( الشمولية ) اليه  كحجر زاوية في الرؤى والفعل والنتائج . حتى ان نظرية ثورية ونقدية ، في جوهرها ، تستند ، اساسا ، الى منطق الحركة الدائبة والتبدل المستمر،  كالماركسية  ، اضحتْ ، على  يد ّ كهنوتها الخاص ، عقيدة هي الاخرى ، وامسى لها حراسها  الذين يحرصون على الاتبّاع ويتطيرون من اية مخالفة او ابتداع !
ان  صديقيَّ  الاولين  ، اعني ،  شيخ الجامع ، الذي تطيّر من رؤياي وصداقتي لمجرد السؤال فيما طلب اليّ، اصلا ، ان اقرأه واتفاعل معه واسأل ما يبدو لي بشأنه . وأخاه  ، صاحب الطبرسي  الذي ابدى الموقف نفسه ،للأسباب ذاتها ، وان اختلف  اللون ، لم يكونا  ، ولن يكونا ،الوحيدين . ولم يكن موقفهما وقفا عليهما ، كمتحمسين  دينيين او مذهبيين ، وانما وجدتُ ،ما يشبه ذلك  ،وقد يزيد عليه ، قليلا ، عند  بعض من دعوا انفسهم علميين وعلمانيين او حتى ، بوضوح اكثر ، شيوعيين . فقد كتبتُ قبل عقد ، تقريبا ، بضعة مقالات ، انتقادية ، لمواقف وسياسات الحزب الشيوعي ونتائجها ، عبر بضعة عقود ، ولم اتوجه بالنقد ،  الى الاشخاص والاسماء ، وانما الى الافكار والبرامج والسياسات ، كما كان دأبي دائما ، وكما هي قناعتي اساسا ، فأمر الفشل المتكرر والخلل الاستراتيجي،  لا يتعلق بشخصية فلان أوخيانة علان او دناءة ثالث ، او خطل رابع ، انما يتعلق ،اساسا  ،بالمنهج والرؤية  والممارسة التي تنبع عنهما وترتبط بهما. فلقيت ، على ايدي بعض حراس العقيدة وجمهورها ، هنا ،ما لقيت على ايدي " اخويهم " السابقين من ردود افعال وشكوك ، فانبرى لي بعضهم بالتحذير والتشكيك وبعث اليّ البعض الآخر بالسؤال الشيوعي العراقي الخالد ، منذ الخمسينات ، والذي ينتصب بوجه كل تساؤل او دعوة للمراجعة والتقويم : لماذا في هذا الوقت بالذات ( وهو وقت هجمة معادية ، دائما وابدا )ولمصلحة من( وهناك دائما ، في رأس كل عقيدة ، اعداء ومتربصين ) ؟ والمعنى  المؤكد ، لذلك، ان الوقت ، للنقد والمراجعة ، الحقيقية والجادة  ، سوف لن  يأتي ابدا ، حتى يرث الله الارض ومن عليها.
ان كل بنية فكرية او ايديولوجية  او سياسية ، تتعزز بمصلحة اجتماعية ، يراد لها الثبات والاستمرار ، حتى وان بدأت  نقدية وثورية، ومن خلال نشأت كهنوتها وحراسها الخاصين ، سوف تنتهي الى الجمود والتقوقع ، وقد تلتقي ، من حيث تعلم او لا تعلم ، بما نهضت على انتقاده وجاءت لتثويره ، بل وقد تجد نفسها في موقع الدفاع عن اعداءها وايديولوجياتهم، كما وجدنا السيد ( صباح شبرّ ) وانصاره يفعلون . لقد حلّ اسلام الإتبّاع والخضوع والتسليم ، منذ وقت طويل ، محل اسلام الثورة على الاساطير والاصنام والتساؤل المستمر والبحث الدائب ، اسلام : " الاّ يتفكرون " و " افلا يعقلون " و " افلا يتدبرون "  وهذا معنى ما كان يشير اليه النبي وهو يرى ارهاصات التبدل والجمود ، اواخر ايام حياته ، حينما قال ان الاسلام سيعود غريبا كما بدأ . وهذا الامر لايخص الاسلام  ،بالطبع ، انما ينسحب على كل فكرة او ثورة تتحول الى عقيدة  ، فماركسية الثورة والانسان والتحرر العقلي والنقد الدائب والتجدد المستمر، ماركسية الابداع  ، كما قدمنا ، قد  اخلت الميدان، هي الاخرى ،ومنذ زمن طويل ، لماركسية التسليم والانقياد والاتبّاع . وسواء تعلق الامر بالدين او المذهب او النظرية السياسية ، فلا محك أسنّ من محك العقل ولا موقفا افضل من موقف التساؤل والبحث،ولا افق اوسع من افق التفاعل بالأخذ والعطاء.